في عالمنا المعاصر، يظهر الاستكبار العالمي ككيان سياسي واقتصادي وثقافي يمارس نفوذه على الدول والشعوب تحت شعارات براقة مثل “حقوق الإنسان”، “الديمقراطية”، و”السلام العالمي”. غير أن التمحيص في المواقف والسلوكيات يكشف عن زيف عميق في هذه السياسات، حيث تتحول تلك الشعارات إلى أدوات تضليل تخدم مصالح القوى الكبرى على حساب الحق والكرامة الإنسانية.
الزيف الأول يكمن في الانتقائية الأخلاقية. فالدول المستكبرة تتشدق بحقوق الإنسان حين يخدم ذلك مصالحها الجيوسياسية، لكنها تصمت أو تتواطأ عندما تُنتهك هذه الحقوق على يد حلفائها. نرى ذلك جليًا في الصمت الغربي إزاء جرائم الحرب التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني، أو تجاه الاستبداد الممنهج في بعض الأنظمة الحليفة، في الوقت الذي يتم فيه تسليط الضوء على انتهاكات في دول أخرى بهدف الضغط أو ابتزازها سياسياً.
أما الزيف الثاني، فهو في ادّعاء نشر الديمقراطية. التدخلات الغربية في العراق وأفغانستان وليبيا لم تؤدِ إلى ديمقراطيات مستقرة، بل إلى فوضى ودمار وقتل جماعي وتشريد الملايين. الحقيقة أن الديمقراطية تُستخدم كذريعة لتفكيك الدول المقاومة، وسلب ثرواتها، وتحطيم هويتها الحضارية. فلو كانت الديمقراطية هدفًا حقيقيًا، لما دعمت هذه القوى أنظمة استبدادية على مدى عقود.
الزيف الثالث هو في المؤسسات الدولية التي يُفترض أنها مستقلة ومحايدة، مثل مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية. هذه المؤسسات لا تحكمها القوانين، بل تهيمن عليها إرادة الأقوياء. تُستخدم الفيتوات لحماية الاحتلال، وتُعطَّل الملفات الحقوقية حين تهدد نفوذ المستكبرين. بل وصل الأمر إلى تجريم من يدافع عن قضاياه العادلة واتهامه بالإرهاب، بينما يُبرَّأ المعتدي بدعوى “الدفاع عن النفس”.
ولا يقل خطورة عن ذلك الزيف الإعلامي، حيث تحولت وسائل الإعلام الكبرى إلى منصات بروباغندا لصالح أجندات الاستكبار. تُحرَّف الحقائق، وتُمارَس حرب نفسية ممنهجة، تُشيطَن فيها الشعوب المقاومة، وتُجمَّل فيها وجوه المحتلين والطغاة. حتى أصبح الإعلام سلاحاً فتاكاً يسبق الطائرات والصواريخ، ويعيد تشكيل وعي الجماهير بما يخدم المنظومة المهيمنة.
إن هذا الزيف المركب لا ينبع من ضعف أخلاقي عرضي، بل من بنية استعمارية مصلحية تعتبر نفسها وصية على شعوب الأرض. وبهذا المعنى، فإن الاستكبار ليس فقط مشروعًا سياسيًا، بل منظومة فكرية شمولية تحاول فرض نموذجها القيمي والثقافي بوصفه “العالمي”، في حين تقمع بقية النماذج باعتبارها متخلفة أو خطيرة.
إن كشف هذا الزيف، وتعريته، وإقامة خطاب بديل يقوم على الحقيقة والعدالة واحترام السيادة والكرامة، هو واجب حضاري. ولا يتم ذلك إلا من خلال وعي نقدي عميق، ونشر للمعرفة، ودعم للمشاريع الثقافية والمقاومة الفكرية التي تفضح هذا الطغيان المتقن التجميل. فالحرب اليوم، وإن كانت ظاهرياً عسكرية أو اقتصادية، إلا أن جوهرها هو حرب على الوعي.